عبد الملك الجويني

243

نهاية المطلب في دراية المذهب

عبارة الفقهاء ونبُدي ما فيها من الإشكال ، ثم نأتي بالمعتبر الموثوق . فعبارة الفقهاء : " إن اليقين لا يترك بالشك " وهذا مختلٌّ ؛ فإن الشك إذا طرأ ، فلا يقين . ثم إن حُمل هذا على ما مضى ، وقيل : معنى قول الفقهاء إن اليقين السّابق لا يترك بالشك الطارىء ، فليس هذا على هذا الإطلاق ، ولكن القول في ذلك ينقسم ، فإن طرأ الشك وأمكن الاجتهاد ، تنوّع الكلام ، فقد يتمهد مسلك الاجتهاد بالمتعلّقات الواضحة ، كمسائلِ الاجتهاد في الطلاق التي اختلف العلماء فيها ، وصار صائرون إلى أن الطلاق يقع ، وذهب آخرون إلى أنه لا يقع ، فالمتبع الاجتهاد ، ولا حكم للنكاح السابق وما تقدم من استيقان انعقاده . وإن جرى الاجتهاد وخفيت العلامة ، فإن دعت الضرورة إليه ، وجب التمسك به ، وهذا كما إذا كان مع الرجل إناءان أحدهما طاهر والآخر نجس ، فلا سبيل إلا ترك الماءين ، أو الاجتهاد في الأخذ بأحدهما ، ولا سبيل إلى الترك ، فتعيّن الاجتهاد . وإن كان مع الرّجل إناء واحد وفيه ماء ، [ فشك ] ( 1 ) في طريان النجاسة عليه ، وغلبت عنده علاماتها ، فهل يأخذ بالاجتهاد ، وعلاماتُ النجاسة خفية ، وقد أدرك خفاءها من أحاط بأبواب النجاسات . وإذا رَقتِ ( 2 ) العلامات إلى الظهور ، وقدت في اليقين ، فلا جرم اختلف القول في أنه هل يجب التمسك بالعلامات ، أو يستصحب اليقين السابق ، وهذا هو استصحاب الحال الذي يخوض فيه الأصوليون . وإن انحسم الاجتهاد ، وطرأ الشك ، فعند ذلك يرى الشافعي أن يستمسك باليقين السابق ، ولا يقيمَ للشك وزناً ، وسببه من طريق المعنى أن الشّك يتعلق بمعتقدين متعارضين ليس أحدهما أولى من الثاني ، ولا يخلو - في غالب الأمر - المرءُ عن الشك ، سيّما إذا بُلي بأطراف الوسوسة ، فرأى الشافعي التمسكَ باليقين المستصحب أولى ، واعتضد فيما رآه بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم . وهذا تأسيس الباب . ونحن نقول بعده : 9205 - مَنْ شك في الطلاق ، فالأصل بقاء النكاح ، وله الأخذ بحكم استصحابه ،

--> ( 1 ) في الأصل : فشكه . ( 2 ) رقت العلامات إلى الظهور : أي سَمَتْ وارتفعت ، من الفعل رقا يرقو رَقواً ( المعجم ) .